الشيخ حسن المصطفوي
96
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
قلنا مرارا إنّ التفعيل يدلّ على جهة الوقوع والتعلَّق بالمفعول ، كما أنّ الإفعال يدلّ أوّلا على جهة صدور الفعل من الفاعل . فالنظر في الإعراض إلى صدور العرض من فاعله ، وفي التعريض إلى وقوع العرض وجهة تعلَّقه ، فالتعريض عرض يتوجّه فيه إلى جهة وقوعه إلى المعروض اليه ، وأمّا معنى الإشارة وعدم التصريح بالمراد فهو عرض وجود في قبال الطرف وإظهار شخصيّة وتعريف لنفسه . * ( وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالأَرْضُ ) * - 3 / 133 فانّ عالم الآخرة ليس فيه حدّ مادّىّ ، فلا تضيّق فيها من جهات الحدود المادّيّة ، فهي في سعة منها ، تَسع السماوات والأرض ، وتحيط عالم السماء الروحانيّة وأرض طبقات سفليّة مادّيّة . فمن كان منعزلا عن الدنيا وعن علائقها ، متوجّها إلى اللَّه المتعال ، سائرا في مراحل روحانيّة : فهو يعيش في عيشه راضية وسيعة . وأمّا العرض : فليس بمعنى يقابل الطول . بل بمعنى الإرادة وإظهار الوجود والخصوصيّة ووقوعها في منظر ومرأى . والمراد أنّ هذه الجنّة تقع في معرض وسيع ومرأى كمعرض سعة السماء والأرض . والسماء والأرض مادّيّة أو روحانيّة ليس لها عرض ولا طول معيّنة معلومة حتّى يبحث عنها ويشار إليها . مضافا إلى أنّ المناط هو كونها محسوسة ملموسة مرئيّة ، لا سعتها في الواقع عرضا أو طولا . وهذا كما في قوله تعالى - وعرضنا جهنّم للكافرين عرضا . عرف مقا ( 1 ) - عرف : أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على تتابع الشيء متّصلا بعضه ببعض . والآخر - على السكون والطمأنينة . فالأوّل - العرف : عرف الفرس ، وسمّى بذلك لتتابع الشّعر عليه . ويقال جاء القطا عرفا عرفا ، أي بعضها خلف بعض ومن الباب العرفة ، وجمعها عرف ، وهي أرض منقادة مرتفعة بين سهلتين تنبت ، كأنّها عرف فرس . والأصل الآخر - المعرفة والعرفان ، تقول عرف فلان فلانا عرفانا
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه .